حسن الأمين

198

مستدركات أعيان الشيعة

المتصوفة الفرس ( لا ننس ان انكتيل دوبرون Anquetil - Duperron كان يعرف « الأوبانيشادات » بصورة ترجماتها الفارسية ) . ومع ذكر اسم هذا الأستاذ من أساتذة ملا صدرا ، يمكننا أن نتخذ فكرة عن المعارف التي اكتسبها في المرحلة الأولى من عمره ، مرحلة التلمذة من حياته . وتبدأ الآن المرحلة الثانية . هنا يجب الا يظن أن الظروف كانت ملائمة ، وخاصة لمن يتبع أفكاره وانفعالاته الداخلية الخاصة بصورة مستمرة لا تعرف المساومة ، بل ويعلم انه كلما ازداد تقدما ازداد يقينا بأنه سيواجه خصومة المقلدين واتباع الظواهر . لقد عانى ملا صدرا مثل هذه التجربة القاسية ، كما يتضح من بضع جمل من كتابه الرئيسي حيث يقول ( 1 ) : « في العهد الماضي ، صرفت قواي منذ مطلع شبابي للفلسفة الإلهية ، فاطلعت في حدود ما أمكنني على مؤلفات الحكماء السابقين وبعدهم الفضلاء اللاحقين ، ووقفت على نتائج إلهاماتهم ونظرياتهم وأفدت من ابداعهم وأسرارهم ، ولخصت ما وقعت عليه من كتب اليونان وأعلام المعلمين ، مختارا اللباب من كل باب من أبوابها ، ومتحاشيا الإطالة والاطناب ( ص 4 ) . . . الا أن عوائق كانت تمنع من الوصول إلى هذا الغرض ، وكانت الأيام تمضي واحدا بعد آخر دون أن أبلغ هدفي . . . ( ص 4 ) . ولما شاهدت عداوة الدهر في أخلاق الجهلة والأراذل ، ورأيت شمول لجهالة والضلالة وسوء الأحوال والأوضاع وقبح الناس ، وبليت بقوم امكانية الفهم فيهم معدومة وعيونهم تلقاء أنوار الحكمة وأسرارها عمياء . . . ( ص 4 ) قادني انكسار الخاطر وجمود الطبيعة أمام عداوة الزمان ومناوأة الأيام إلى أن اختار الانزواء في بعض نواحي الديار وأن اختفي كسير القلب في دنيا النكران وخمول الذكر . . . ( ص 6 ) واخترت كما أمر سيدي ومولاي ومتعمدي ، أول الأئمة والأوصياء وأبو الأئمة الشهداء الأولياء ، قسيم الجنة والنار ، طريق التقية . . « ( ص 7 ) . ان الوضع الذي كان لملا صدرا في ذلك العهد ، لم يكن كما لعله كان يظن - وقفا عليه وحده ، بل إن فلسفته أيضا كانت بدورها تواجه وضعا معقدا مؤسفا كان يواجهه كل جيل ، والسبب في ذلك أن غايته في الحياة التي سنتحدث عن نتائجها فيما بعد إنما كانت تعليم التشيع بمعنى جامع ، لذا لم يكن له سبيل للتخلص من كيد الجهلة سوى أن يفارق حياة أصفهان الجياشة ليلجأ إلى مكان منزو بعيد ، وكان هذا المكان الذي اختاره لخلوته قرية « كهك » على بعد ثلاثين كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي من مدينة « قم » . إذا غادر المرء « قم » في اتجاه « أصفهان » ، فان عليه بعد مسيرة عدة كيلو مترات أن ينحرف عن الجادة ليسلك شرقا طريقا ضيقة تنتهي به بعد حوالي خمسة عشر كيلو مترا صحراوية إلى سلسلة من الجبال ، حيث يتراءى واد مرتفع يعود بالمشاهد إلى خاصة التضاد التي هي من ميزات طبيعة إيران ، وكلما أوغل المرء في قلب الوادي تنحى طابع الصحراء الجاف ليخلي مكانه لخضرة النباتات النامية . ان « كهك » مجموعة من عدة بساتين يقوم بجانبها مسجد صغير من القرن الحادي عشر غريب التصميم والهندسة ، وفيها قلعة قديمة جدا شاعرية ، وضريح مكتمل الهندسة لسيدة من سلالة الأئمة يطلق عليه ضريح المعصومة . وأن عندي الآن صورة واضحة عن هذه المجموعة كلها لأنني استطعت أن أشاهد تلك الطبيعة التي فيها غرق في عظمة الوحدة حوالي تسع أو احدى عشرة سنة للتأمل والتفكير ، فقد زرت مؤخرا تلك الطبيعة بصحبة صديقين ايرانيين عزيزين . الا أن من الواجب على من يريد أن يدرك جميع الأوصاف والأحوال العرفانية لهذه الديار ، الا يسلك في طريق عودته إلى « قم » الجادة الأصلية ، بل أن يتجه إلى الشرق مرة أخرى في الطريق التي تنتهي إلى قرية « جمكران » ليصل إلى حرم ينسب إلى من كان منذ أكثر من عشرة قرون التاريخ السري للوجدان الشيعي ، أعني الإمام الثاني عشر الغائب . هناك كنا موقنين أننا سنجد في الغيبة كل الزوار الذين اموا ذلك المكان قبلنا ، لا مير داماد وملا صدرا وملا محسن فيض والقاضي سعيد القمي فقط ، بل كذلك جميع أولئك الذين صنعوا الفكر الشيعي ، جيلا بعد جيل ، مع كل ما يتفرد به من معان في تاريخ الإنسان . الا أن هذه الرحبات التي تقوم في جنباتها نقاط وعلائم عرفانية ، والتي تقوم منها قبة حرم « قم » المشعة مقام القطب والمركز ، ما عتم ملا صدرا أن اضطر مرة أخرى إلى مفارقتها ، وهنا بدأت المرحلة الثالثة من حياته . وخلال تلك السنوات التسع ، أو الإحدى عشرة ، التي قضاها ملا صدرا في كهك ، توصل إلى كشف الحقائق المعنوية ، وبلغ مقام المشاهدة الذي ليست الفلسفة إلا مقدمة ضرورية له ، وليست في نظره ونظر جميع أتباع مدرسته الا عملا عقيما ومحاولة واهية عابثة إذا هي لم تنته إلى هذا المقام . ان إنسانا في مقام ملا صدرا وشخصيته ، لا يستطيع مهما حاول أن ينجح في إخفاء سر خلوته واعتزاله ، ولذا لم يستطع ملا صدرا أيضا أن يمنع التلامذة والمريدين من أن يطبقوا عليه ويقبلوا على مجالسه ، وأن يحد شهرته من أن تتسع وتنتشر . ولقد حلت تلك اللحظة حين صمم والي مقاطعة « فارس » الله وردي خان ( 2 ) على بناء مدرسة كبيرة في شيراز ، واستدعى ملا صدرا بموافقة الشاه عباس الثاني طالبا منه العودة إلى بلده الأول والتدريس في المدرسة الجديدة . ان الغرفة التي كان ملا صدرا يعلم فيها لا تزال تمكن مشاهدتها في تلك المدرسة المعروفة اليوم باسم « مدرسة خان » وليس عجبا أن تصبح شيراز بسرعة ، بسبب انتقال صدر الدين إليها ، مركزا علميا كبيرا كأصفهان . كان « الأستاذ » يعيش في تلك المدينة ، مستغرقا في التعليم وإعداد الطلبة وتوجيههم ، وفي تأليف كتب بقي بعضها ناقصا للأسف ، وان التعاليم الأخلاقية الرفيعة التي كان يعلمها طلابه والتي ظل هو يعيشها ويطبقها ، لخير وسيلة لتعريف شخصيته ، وهذه التعاليم تتلخص جميعا في أربعة قواعد سنها لكل من يريد أن يخطو في طرق المعنويات ، هي : التخلي عن حب اكتساب الثروة ، ترك طلب الجاه الدنيوي ، البعد عن التقليد الأعمى ، واجتناب كل نوع من أنواع المعاصي ( 3 ) ومع ما أنجز ملا صدرا من أعمال عظيمة ، استطاع الحج سبع مرات إلى بيت الله ، وفي عودته من حجته السابقة عام 1050 ه‍ . وافته منيته في البصرة وفيها دفن .

--> ( 1 ) نقلا عن طبعة أسفار العلامة الطباطبائي . أرقام الصفحات في المتن . ( 2 ) الله وردي خان خلفه ابنه امام قلي خان الذي ولي أمور مقاطعة فارس منذ سنة 1003 وتوفي سنة 1021 . راجع مقدمة السيد دانش بجوه لكتاب « كسر أصنام الجاهلية » ص 2 فما بعد . يمكن الاعتراف ان ملا صدرا اتى شيراز بين 1003 و 1010 ، فبناء على هذا مارس التدريس قريبا من أربعين سنة . ولكن السيد دانش بجوه ، استنادا إلى بعض السنوات المذكورة في سيرة ملا محسن فيض التي أوردها السيد محمد مشكاة في مقدمة الجزء الرابع من كتاب « المحجة البيضاء » ( طهران 1339 ش - 1860 م ) - أخر تاريخ مجيء ملا صدرا شيراز حتى سنة 1042 . والحق ان هذا التاريخ متأخر ، ومن المحتمل أن تكون الحقيقة بين هاتين السنتين ، ولا يمكن الدخول في بحث التفاصيل في هذا الموضوع ، للأسف . ( 3 ) راجع كسر أصنام الجاهلية ، ص 133 .